أبي منصور الماتريدي

253

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

حَسْبَكَ اللَّهُ أي : يطلعك الله على ما في قلوبهم من النفاق ، أي : وإن خفت منهم أنهم يظهرون لك الإسلام في الظاهر ويكونون في السر على ما كانوا من قبل ، فلا يمنعك ذلك عن قبول الإسلام منهم ، فإن الله يطلعك على ذلك ، ويكفيك ذلك « 1 » ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ . يحتمل قوله : وَبِالْمُؤْمِنِينَ : بالملائكة الذين أنزلهم معونة للمؤمنين يوم بدر . ويحتمل : بالمؤمنين الذين كانوا معه ، فأخبر أنه يؤيده بنصره وبنصر المؤمنين ، وكان النصر له بالله في الحقيقة ، فقوله : وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، النصر من الله مرة يكون بالأسباب بالمؤمنين ، وبغير ذلك من الأسباب ، ومرة باللطف منه بلا سبب . وقوله - عزّ وجل - : وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ . قال بعضهم : ألف بين قلوبهم بالدين الذي اجتمعوا عليه ؛ كقوله : إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ ، أخبر أنهم كانوا أعداء ما داموا في الكفر ، فلما أسلموا صاروا إخوانا . ولكن عندنا الإسلام يوجب التأليف والاجتماع بينهم ، ولكن يجوز ألا يوجد التأليف وإن وجد [ الإسلام ] « 2 » ؛ ليعلم أن الله هو الذي يؤلف بينهم بلطفه وفضله لقوله « 3 » : وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ . وقد يجوز أن يكون ما ذكر من تأليف القلوب يكون مرة بالدين ، ومرة باللطف من الله ، فإذا كان الخلاف والعداوة بينهم بسبب الدين فإنه إذا وجد الوفاق ارتفع الخلاف والعداوة ، وإذا كان للأطماع فهو يرتفع باللطف من الله . إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . عزيز : لا يعجزه شيء ، حكيم : في أمره وحكمه . قوله تعالى : [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 64 إلى 66 ] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 64 ) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ( 65 ) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ( 66 )

--> ( 1 ) في ب : على ذلك . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) في أ : بقوله .